اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
262
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
بسيط لا أثر للصنعة فيه ، هذا إذا استثنينا الافتتاحية بما يصحبها عادة من العبارات المتكلفة الموجهة إلى الشخص الذي بعث بالرسالة إليه . وهي بلا شك تعكس انطباعات حية مباشرة عن ذلك العصر المضطرب الذي لم يتجاوز فيه سلطان الخليفة في واقع الأمر بغداد ونواحيها ؛ وكانت حلب آنذاك تحت حكم المرداسيين بينما كانت أنطاكية في قبضة البيزنطيين ؛ أما مصر فقد سيطر عليها الفاطميون . ورغما عن هذا فقد كانت حرية التنقل كما أبصرنا مكفولة لا في داخل العالم الإسلامي فحسب بل حتى بين الدولة البيزنطية وأراضي الإسلام 131 . ويرتبط بعهد السلاجقة التالي لذلك كتاب باللغة العربية ذو أهمية بالغة بالنسبة للجغرافيا ، ذلك هو « ديوان لغات الترك » 132 - - لمحمود الكاشغرى الذي يعتبره بارتولد « الوحيد تقريبا الذي كتب بالعربية عن آسيا الوسطى معتمدا في ذلك على معرفته الشخصية بتلك البلاد ولم ينقل عن مراجع مدونة » 133 . وقد تم تدوين كتابه ببغداد بين عامي 464 ه - 1072 و 466 ه - 1074 كما يذكر ذلك هو بنفسه 134 ؛ وقد يثير هذا الاختلاف في التواريخ بعض الشبهات رغما من أن المخطوطة الفريدة المعروفة للكتاب والتي ترجع إلى القرن السابع أو الثامن الهجري قد أخذت عن المخطوطة الأصلية بيد المؤلف . ولاعتبارات تتعلق بمادة الكتاب فإنه لا يوجد ثمة شك في أن تاريخ تأليفه يرجع إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر . وليست لدينا معلومات على الإطلاق توضح سبب ظهوره ببغداد بالذات . والمعلومات الطفيفة عن حياة مؤلفه يجب استخراجها من صلب الكتاب نفسه ؛ فيتضح من ذلك مثلا أن المؤلف كان يجيد العربية إجادة تامة بالرغم من أنه كان تركى الأصل وربما انتمى فيما يبدو إلى أسرة القاراخانيين الذين حكموا بالمشرق ؛ وكان لأبيه صلة ما بمدينة برسخان القريبة من بحيرة ايسيق كول Issik Kol . وهو قد سافر كثيرا في سهوب آسيا الوسطى وجال في بلدان الترك وأجاد تقريبا جميع اللهجات التركية بآسيا الوسطى 135 . أما من ناحية اللغة فكتابه يمثل أهمية كبرى لا نظير لها ؛ وقد كان الكشف عنه بين مجموعة العلامة التركي المعروف على أميري الديار بكرى ( 1857 - 1904 ) 136 ، ثم طبعه بتركيا أثناء الحرب العالمية الأولى ( 1333 ه - 1335 ه - 1914 - 1916 ) ، حدثا هاما في تاريخ دراسة اللهجات التركية . ولا تقل عن ذلك أهميته من وجهة نظر الجغرافيا لأنه يقدم لنا مادة وفيرة من محيط الأدب الشعبي التركي ومعلومات وافية عن مواضع سكنى القبائل التركية تصحبها تفاصيل عديدة عن الجغرافيا التاريخية للبلدان التي يقيمون بها . والمادة التي يوردها المؤلف جديرة بالثقة وكثيرا ما دعمتها الاكتشافات الأثرية الحديثة في آسيا الوسطى 137 . أما الخارطة المستديرة التي حفظت بالمخطوطة والتي توفر على دراستها اثنان من العلماء هما ميلر Miller 138 وهرمان Hermann 139 فإنها تمثل أهمية قصوى ؛ ورغما عن ذلك فلا يمكن القول بأن جميع المسائل المتعلقة بها قد وجدت الحل النهائي ، خاصة وأن الباحث قد درسها منفصلة عن متن محمود الكاشغرى .